عمر فروخ
475
تاريخ الأدب العربي
فليت طالعة الشمسين غائبة ، * وليت غائبة الشمسين لم تغب « 1 » . وليت عين التي آب النهار بها * فداء عين التي غابت ولم تئوب « 2 » . وما ذكرت جميلا من صنائعها * إلا بكيت ؛ ولا ودّ بلا سبب ! د - هجاؤه : كانت طبيعة المتنبي وخصائص شعره بعيدة عن الهجاء : كان مترفّعا لا يريد أن يضع نفسه في مثل منزلة خصومه ؛ وكان شعره فخما رصينا لا يعير نفسه للهجاء بسهولة . ومع ذلك فإن له شيئا مستجادا في الهجاء ، قال في الدور الأول يتهكم برجلين قتلا جرذا ثم أبرزاه يعجّبان الناس من كبره : كلا الرجلين اتّلى قتله ؛ * فأيّكما غلّ حرّ السلب ؟ « 3 » وأيّكما كان من خلفه ؟ * فإنّ به عضّة في الذنب ! وكثر تعريض المتنبّي بخصومه في بلاط سيف الدولة على ما ترى في كثير من قصائد الدور الثاني . أما الهجاء الحقيقي عند المتنبّي فنجده ، في الدور الثالث ، في كافور الإخشيديّ تلميحا وتصريحا . وأشهر هجاء المتنبّي وأجوده داليّته التي أنشدها في كافور بعد أن هرب من مصر : عيد ، بأية حال عدت ، يا عيد ؟ * بما مضى أم لأمر فيك تجديد ؟ اني نزلت بكذّابين ضيفهم * عن القرى وعن الترحال محدود « 4 » . جود الرجال من الأيدي ، وجودهم * من اللسان . فلا كانوا ولا الجود ! ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم * إلّا وفي كفّه ، من نتنها ، عود « 5 » . أكلّما اغتال عبد السوء سيّده ، * أو غاله ، فله في مصر تمهيد ؟
--> ( 1 و 2 ) ليت طالعة الشمسين ( شمس النهار ) هي التي غربت إلى الأبد ؛ وليت غائبة الشمسين ( خولة ) لم تغب ( لم تمت ) . وليت شمس النهار التي طلعت مرة جديدة كانت فداء لخولة التي غابت ( بالموت ) ولم ترجع . ( 3 ) كل واحد منهما أقسم انه هو الذي قتله . ( 4 ) لا يحسنون ضيافته ولا يدعونه يذهب في سبيله . ( 5 ) يمكن أن يفهم هذا البيت على وجهين : إذا أراد عزرائيل قبض أرواحهم وضع في كفه عودا ( طيبا ) حتى تغلب راحة الطيب على نتنهم . والمعنى الثاني : إذا أراد عزرائيل قبض أرواحهم أخذ بيده عودا ( قضيبا ) حتى لا يباشر قبض أرواحهم بيده .